على عكس ما يتصور برشا ناس، البروباغندا مش هدفها إنها تقنعك بفكرة جديدة، ولا تبدل قناعاتك ... البروباغندا هدفها إنها تخليك تشك في روحك، وفي إدراكك للواقع، وتخلق فجوة بين الآنا وبين الاخر .. وبين العام والخاص.. يعني بيني لي تعرفه في داخلك وبين لي تراه في الفضاء العام... تولي تحس أن الحقيقة اللي تشوف فيها بعينيك ما عادش تنجم تثق فيها، خاطر الناس تحسهم مقتنعين بعكسها. في الاتحاد السوفياتي كانو يسميو الظاهرة هذي بـ hypernormalization. كانت الحوانت فارغة، والناس تعاني باش تلقى الخبز والخدمات الأساسية، لكن كي تحل الجرائد أو تسمع الإعلام الرسمي، تلقى الحديث الكل على الإنجازات، والرخاء، والوفرة، وأن كل شيء 6/زيت النتيجة ما كانتش إن الناس صدقت الرواية الرسمية. بالعكس، أغلبهم كان يعرفوا أنها كذب.. لكن كل فرد كان يشوف الناس اللي دايرة بيه ساكتين، أو متظاهرين بأنهم مصدّقين.. فيبدأ يشك.. يمكنـشي أنا وحدي اللي نشوف الأمور هكا؟ يطلعـشي البقية بالرسمي مقتنعين؟ وهنا تبدأ حالة الاغتراب.. الإنسان ما عادش يشك في السلطة كهو، بل يشك حتى في الناس اللي يعيش معاهم... يفقد الثقة فيهم، ويفقد الأمل في إمكانية التغيير، لأنه يعتقد أن الجميع قبل بالوضع واستسلم له وهنا تكون البروباغندا نجحت. نجحت، خاطرها كسرت الثقة بين الناس.. خلت كل واحد يشك في الآخر، وكل واحد يعتقد أنه وحده اللي يرى الواقع كما هو... ومع انهيار الثقة بين أفراد المجتمع، تنهار الروابط الاجتماعية، ويصبح كل شخص معزول على غيره.. و تبقى السلطة وحدها المتحكمة في السردية، وهي التي تحدد للناس شنوة الصحيح وشنوة الغالط في تونس، نفس الشئ برشا ناس مقتنعة أن أغلبية الشعب مساند قيس سعيد، خاطرها ترى في الصورة هذي تتكرر باستمرار على مواقع التواصل، وفي الخطاب الإعلامي، وفي التعليقات. فيبدأ الواحد يقول.. لشعب هذا اختار، والشعب هذا يحب هكا، يستاهل اللي يصيرلو.. وهكا يفقد اهتمامه بالآخرين، وينسحب من أي محاولة للتغيير... وفي المقابل، إذا كانت السلطة قادرة على التحكم في السردية عبر الذباب الإلكتروني، والحسابات الوهمية، والحملات المنظمة، فإنها لا تحتاج إلى إقناع الناس الكل... يكفيها أن تخلق الانطباع بأن الناس معاها وانه الناس مساندة المسار.. وانه مفاش بديل.. ويسيطر على السردية عن طريق التلاعب النفسي بالجماهير.. وينجح في ذالك حتى لوكان الناس فيبالهم انه تم التلاعب بيهم.. اما يفقدو الامل لانه فقدو الثقة في الاخر وكي يعتقد كل فرد أن بقية المجتمع استسلمت، يبدأ هو زاداة بالانسحاب، لانه فقد الأمل في الآخرين..